رواية حب ليس له مثيل الفصول من 21-30

موقع أيام نيوز

تلك اللحظة كان الجمهور يظن أنهم على وشك مشاهدة مشهد من مشاهد رمي النقود المعتادة لكنهم فوجئوا بصمت غير مألوف وذلك ذهولا من استسلم ظافر نصران في سابقة لم تحدث من قبل.
امتلأت القاعة بدهشة مطلقة فقد خيم عليهم صمت عميق جميع الحاضرين لم يستطيعوا أن يصدقوا ما حدث الجميع لا يعرفون من هي تلك المرأة الغامضة ولم يستطيعوا أن يفهموا كيف لها أن تجرؤ على انتزاع شيء من ظافر! والأغرب كيف سمح لها بذلك!
انتهى المزاد وبحسب القواعد المتبعة كان على مقدمي العروض تسديد مستحقاتهم ومن ثم استلام مقتنياتهم.
عندما عبرت سيرين إلى خلف الكواليس لاحظت أن الغرفة كانت شبه خالية.
لم يكن بها سوى ظافر الذي جلس بمفرده على الأريكة عازلا نفسه عن العالم كله.
كانت قامته الطويلة والنحيفة تتناغم مع بدلة أنيقة جعلته يبدو وكأنه أحد أفراد السلالة المالكة.
وجهه الوسيم الذي ظل باردا كالحديد كان يشع
بسمات القوة لكن عيناه الداكنتين تابعتا سيرين بدقة فور دخولها من الباب وكأنها مركز هذا العالم.
سيرين!
نطق باسمها بهدوء قاټل في الوقت الذي كانت قد أصبحت فيه تحت أنظاره الثاقبة وعيناه الغارقتان في عمق المجهول.
و بالرغم من أن صوته كان هادئا لكنه يحمل في طياته العديد من الأسئلة التي كانت تنتظر الإجابة.
لقد كان ظافر ينتظر منها تفسيرا لسبب تزويرها لمۏتها واختفائها لمدة أربع سنوات.
بقت الأسئلة تتراكم في ذهنه مثل جبل من الثلج الذي لا يذوب كان يود لو سمع منها تفاصيل ما حدث طوال تلك الفترة المظلمة.
سيرين التي تغيرت بشكل جذري بعد هذه السنوات كانت الآن تعكس شخصية لم يكن يعرفها.
لم تعد تلك الفتاة التي ترفض الماكياج أو تفضل الملابس الداكنة التي تخفي ملامحها.
اليوم جاءته ترتدي ملابس براقة وجذابة وكأنها تحولت إلى سيدة أخرى تماما.
كان هذا التحول الصاعق يترك ظافر في حالة من الذهول فهو لم يتخيل أبدا أن سيرين تمتلك هذه الجاذبية الباهرة.
بينما كانت تقترب منه بخطوات هادئة شعر ظافر بشيء غريب في جوفهفأخذ يبتلع ريقه بصعوبة و كأن عينيه لا تستطيعان التخلص من تلك الصورة التي كانت تلوح أمامه.
توقفت سيرين على مسافة قريبة منه لا تفصلها عنه إلا بضع خطوات أي مسافة لا تذكر ثم قالت بصوت هادئ لكن مشبع بالكثير من الغموض
مرحبا سيدي.
وقف ظافر الذي بدا وكأن الجاذبية قد انفصلت عن الأرض من حوله مذهولا و قبل أن يتمكن من الرد كانت المواقف تتسارع برأسه كذئاب جائعة.
لكن سيرين لم تتركه في حاله فقد نظرت حولها في المكان ثم سألت بصوت لا يخلو من الحذر
هل هذا هو المزاد العلني أتيت هنا لأدفع واستلم مقتنياتي.
في لحظة تحول وجه ظافر إلى عاصفة من المشاعر فنهض واقفا وكأن قامته أطاحت بكل شيء في محيطه إذ بدت هيأته في تلك اللحظة وكأنها تلقي بظلالها الثقيلة على سيرين فحجب ضوء المكان عن وجهها مما جعل الهدوء يسود المسافة بينهما.
نظر إليها ظافر بنظرة حادة كأن عينيه تتغلغلان في أعماقها تبحثان عن سر غامض وكأنهما تريان شيئا يثير الريبة في قلبه ثم نطق بصوت عميق كالرعد الذي يسبق العاصفة يغلفه الڠضب ويتصاعد منه الحنق
أخبريني من أنا
لكن سيرين وكأنها لا تبالي بالعاصفة التي تزمجر حولها بل بقيت هادئة وجهها خالي من أي ملامح توحي بالدهشة أو المفاجأة فكانت 
إجاباتها باردة كتلك الرياح التي تمر دون أن تترك أثرا في الهواء
من أنت هل أعرفك
وكأن صاعقة قد لامست قلب ظافر إذ شعر بشيء من الۏجع يتسرب عبر أضلعه كلماتها كانت كخناجر مسمۏمة غرست في صدره فأصابته في مقټل ېنزف وچروحه لا ترى لكن آلامها غزت جسده بأكمله.
أجاب بصوت محمل بالڠضب المكبوت الذي تشعر به الصخور قبل أن تسقط عليها الأمطار
ألا تعرفينني إذن
سأجعلك تعرفين من أنا!
اتسعت عينا سيرين وبدت عليها لحظة من التردد وكأن كلمات ظافر قد سلبت منها صوتها لكنها لم تستطع الرد قبل أن يجد نفسه دون وعي يسحق بكلمات أكثر قسۏة ممزوجة بشفاهه الخشنة تلك الهمسات الثائرة التي كان لها قوة الإقناع أكثر من أي شيء آخر.
شعرت سيرين وكأن أنفاسها قد توقفت وكأن الهواء قد غادر رئتيها ثم بدأت في مقاومة قوية تكافح كي تبقى صامدة أمام عاصفته لكن قبضته كانت أقوى من قدرتها على الهروب.
ظنت في البداية أنها ستتمكن من التظاهر بأنها لم تشعر بشيء لكن سرعان ما اڼهارت عزيمتها وسقطت الدموع على وجنتيها تنحدر كما لو أنها أمطار غزيرة بدأت في شق طريقها على جبين الأرض.
وأمام هذه المعركة الداخلية لم تعد قادرة على الصمت فصاحت بوجهه وهي ترفع يدها بتلقائية ليهوى كفها الرقيق على صدغه وكان صوتها حاد وكأنه خرج من أعماق الچحيم
من فضلك التزم أدبك أيها الوقح! قبل أربع سنوات مرضت وفقدت ذاكرتي!
تجمدت أفعاله في لحظة ووقف مشدوها يتأملها بنظرات مليئة بالدهشة والتساؤل وكأنما حجبت عنه السماء فجأة تناسى تجاوزها معه وصڤعتها التي رن صداها بأرجاء المكان لم تعد تعني له شيئا مقارنة بفظاعة ما ألقته على مسامعه.
اغتنمت سيرين تلك اللحظة الفراغية فانسلت من بين ذراعيه كأنها نسمة هاربة من بين أصابع القدر.
تراجعت خطوة إلى الوراء لكن عيناها لم تفارقان وجهه.
كان ظافر في حيرة قلبه مشدود مشاعره مضطربة بين الڠضب والاستفهام فقال بنبرة متسائلة متشككة
لقد قلت إنك فقدت ذاكرتك إذن كيف تعرفت على هذه القلادة
ثم وكأنه قد اكتشف شيئا غامضا فأخرج قلادة الزمرد من أحد الأدراج القريبة ورماها أمام سيرين كمن يظن أن الحقيقة تكمن في تلك الجوهرة برز في عينيه تحد ونظراته تتنقل بين القلادة التي سقطت بين قدميها أرضا وملامح وجهها يتابع بترقب تأثير المفتاح الذي سيكشف المستور.
أجابته سيرين بهدوء يوازي هدوء البحر في ساعات الفجر
لقد ترك لي والدي هذه. بالطبع أتذكره.
اللعڼة!! تلك ال سيرين تراوغه!!
تجهمت ملامح وجهه محاولا أن يستشف هدفها في أن تفرض حقيقة مستنسخة بأنها تذكرت شيئا تركه لها والدها لكنها لم تتذكر من هو ظافر هذا الرجل الذي يحاول أن يغرز في قلبها ذكرى منسية.
كاد ظافر أن ينفجر ضاحكا لكن غضبه كان أقوى من أن يسمح له بذلك ومن ثم....
الفصل 27
وضعت سيرين الشيك في يد ظافر ببرود أشبه بجليد لا يذوب قائلة بصوت خال من التردد 
لقد دفعت المبلغ... والآن سأستلمه. 
لم تنتظر منه ردا ولم تتكلف حتى عناء النظر إلى وجهه فقط استدارت بخفة ومضت بخطى ثابتة كأنها تسير على حافة القدر لا تأبه بما خلفها. 
أما عن ظافر الذي قبضت أصابعه على الشيك كمن يحاول سحق إحساس غامض تسلل إلى صدره لم يشيح بعينيه عنها حتى غابت عن ناظريه.
ثم وبصوت هادئ يحمل بين طياته أمرا لا يقبل التأجيل قال لخادمه الوفي ماهر 
لا تدعها تغيب عن ناظريك. 
في المساء حين عادت سيرين إلى المنزل الذي استأجره لها كارم كان الليل قد بسط عباءته الثقيلة ونامت المدينة تحت أضواء خاڤتة تترنح بين السكون والصخب المكتوم.
لم يكن الشرب عادة من عاداتها بل كان طقسا طارئا لجأت إليه بعدما رحلت عن البلاد فكلما كانت تشعر بأن الحياة تكشر لها عن أنيابها بلا رحمة تلجأ إلى الكحول كمن يستجدي نوما سريعا لعقل مثقل بالأفكار لكن بعد أن أنجبت زكريا ونوح بدأت شيئا فشيئا في التخلي عن هذه العادة فقد منحها وجودهما سببا للبقاء متماسكة جدارا تستند إليه كلما عصفت بها الذكريات. 
إلا أن اليوم... بعد أن رأت ظافر اڼهارت كل حصونها دفعة واحدة ومن ثم عاودتها تلك العادة القديمة كطيف مألوف يدعوها إليه ولم تجد في نفسها القوة لمقاومته.
لم تكن تبالغ حين قالت إنها فقدت السيطرة... بل الحقيقة أنها لم تكن تملكها من البداية.
زفرت سيرين أنفاسها ببطئ وقد قض سلامها ذاكرة مبعثرة كأوراق الخريف 
فحينما غادرت البلاد تركت خلفها أكثر من مجرد وطن وذكريات لقد تركت جزءا من نفسها يتآكل شيئا فشيئا.
في تلك الحقبة من الزمن كان جسدها مثقلا بحمل مضاعف ليس فقط ذلك الجنين الذي ينمو بداخلها بل أيضا اكتئابا ألقى بظلاله الثقيلة على ذاكرتها حتى أصبحت واهنة كمرآة مشروخة تعكس الماضي في صور متقطعة ثم تخفيه فجأة في زوايا النسيان. 
كانت لحظات تمتد فيها يد الذكريات إلى أقرب الناس إليها فاطمة ثم تفلتها دون إنذار وكأن عقلها يمارس لعبة الاختفاء القاسې معها.
بين الفينة والأخرى كانت ټغرق في دهاليز طفولتها قبل أن يختطف المۏت والدها أو تجد نفسها بين مقاعد الدراسة حيث كانت تحلم بمستقبل لم يعد له وجود.
أحيانا كانت تسافر عبر الزمن إلى لحظة زواجها من ظافر تتذكر قسمهما الأبدي ضحكته التي لم تكن يوما لها نظراته التي لم تعتنق وجهها إلا في لحظات عابرة. 
وذات مرة خدعها عقلها بالكامل إذ استيقظت وهي تظن أن حياتها معه ما زالت قائمة بل وأنها لم ترحل لم تزيف مۏتها لم تهرب إلى المجهول لم تكن سوى عروس عادت لتوها
من ليلة زفافها بشغف البداية دون أن تدرك أن تلك البداية أغلقت أبوابها منذ زمن. 
وفي نزوة من ذلك الوهم اشترت تذاكر السفر عازمة على العودة إلى ظافر لتحتضن ماضيها كأنه واقع لم يلوثه الفراق.
اقتربت من الوطن كما يقترب الغريق من اليابسة ظنا منه أنها ستنقذه غير مدركة أنها مجرد سراب. 
لكن القدر لم يكن أقل قسۏة من ذاكرتها فبين جدران المطار اصطدمت عيناها بحقيقة لم تكن مستعدة لمواجهتها صور لظافر ودينا يرقصان في احتفال صاخب كأنهما يعلنان أن الماضي قد ماټ وأنها لم تكن سوى صفحة طواها الزمن.
لحظتها شعرت كأن ذاكرتها قد عادت لټنتقم فتركتها تصدق الوهم للحظة ثم مزقته أمامها كخيط واه لا يصمد أمام الريح. 
تلك الانقطاعات لم تكن مجرد نسيان عابر بل كانت تمنحها الأمل ثم تسحبه منها ببطء مؤلم كما ينزع الضماد عن چرح لم يلتئم فلا أحد سيشعر بذلك الألم إلا من عاشه من فقد أجزاء من ذاكرته ليجدها تعيد نفسها بطرق أشد قسۏة. 
كانت تعلم دوما أن ظافر لم يحبها يوما وأن محاولاته المستميتة للعثور عليها لم تكن بدافع الحب بل بدافع العناد فهو لم يستطع تقبل فكرة أنها اختارت الرحيل وكأنها سلبت منه حق القرار.
ولهذا حين قررت
العودة لم يكن بدافع الحنين بل لأنها كانت بحاجة إلى شيء واحد فقط... السائل المنوي لظافر دون أن تضطر إلى أن تكون معه حقا.
رن هاتفها مقاطعا سيل أفكارها المتشابكة كعقدة من خيوط القدر المربوط بعنقها فأمسكت به ببطء وكأنها تتوجس مما يحمله من أخبار.
جاءها صوت كارم عميقا دافئا يحمل في نبراته شيئا من الغموض المغلف بجاذبية رجولية خالصة. 
كيف سارت
تم نسخ الرابط