ياسمين 2

موقع أيام نيوز

المكان كان شبه مهجور.
أضواء الميناء الخاڤتة تنعكس على المياه، وصوت السفن يملأ المكان.
قالت المحامية منى وهي تنظر حولها
مش عاجبني المكان ده.
ابتسمت ياسمين بهدوء.
وأنا كمان عشان كده ماجتش لوحدي.
في الجهة المقابلة
كانت سيارتان بدون أي علامات تقفان في الظلام.
بداخلهما رجال بملابس مدنية.
لم يكونوا حراسًا خاصين
بل ضباطًا من النيابة اصطحبتهم منى سرًا بعد وصول الرسالة.
تقدمت ياسمين نحو باب المخزن.
كان مفتوحًا قليلًا.
دفعت الباب ببطء
فصدر صرير حاد اخترق سكون الليل.
داخل المخزن
كانت الصناديق المعدنية مكدسة في كل مكان.
وفجأة
سمعت صوت تصفيق.
خرج رجل من بين الظلال وهو يبتسم.
كان سامح عزام.
نظرت إليه ياسمين پصدمة.
إنت!
ابتسم قائلاً
واضح إن خبر القبض عليّا كان مقنع.
عقدت ياسمين حاجبيها.
يعني اعترفت واعملّت كل ده؟
ضحك.
أحيانًا لازم تختفي علشان تعرف مين اللي هيظهر.
وقبل أن تسأله أي شيء
خرج ثلاثة رجال آخرون من خلف الصناديق.
كان أحدهم يحمل حقيبة سوداء.
قال سامح
كل الأدلة اللي بتدوري عليها هنا.
لكن قبل أن يقترب
دوى صوت إطلاق ڼار في الخارج.
ارتبك الجميع.
وانطفأت أنوار المخزن بالكامل.
ساد الظلام.
صړخت منى
ياسمين انزلي!
انحنت ياسمين خلف صندوق خشبي.
وفي الخارج
بدأت أصوات سيارات تنطلق بسرعة.
أضاءت كشافات الضباط المكان وهم يقتحمون المخزن.
لكن بعد أقل من دقيقة
عاد النور.
وكان سامح قد اختفى.
والحقيبة السوداء اختفت معه.
لم يبقَ على الأرض
إلا ورقة واحدة.
التقطتها ياسمين بسرعة.
كان مكتوبًا عليها بخط اليد
لو كنتِ فاكرة إن اللي حصل في مجموعة الچارحي هو القض..ية فأنتِ لسه ما شفتيش أول صفحة في الكتاب.
وفي أسفل الورقة
كان هناك شعار شركة كبيرة جدًا تعمل في الاستثمار والعقارات
شركة لم يكن اسمها قد ظهر في أي تحقيق سابق.
نظرت ياسمين إلى الشعار، ثم قالت بصوت منخفض
يبقى اللعبة أكبر بكتير من اللي كنا متخيلينه
وفي اللحظة نفسها
كان رجل يجلس في مكتب فاخر بأحد الأبراج المطلة على النيل.
يشاهد بث كاميرات الميناء على شاشة ضخمة.
ابتسم وهو يغلق الجهاز، ثم قال لمساعده
أخيرًا وصلت إلينا.
أجاب المساعد
نبدأ المرحلة الثانية؟
ابتسم الرجل في هدوء، وأجاب
لا خليها هي اللي تيجي لحد عندنا.
يتبعفي صباح اليوم التالي
لم تنم ياسمين سوى ساعتين.
كانت الورقة التي عثرت عليها في المخزن لا تفارق يدها.
الشعار المطبوع في أسفلها كان لشركة استثمار ضخمة تُدعى أفق للتطوير والاستثمار.
اسم معروف
لكن لم يسبق أن ارتبط بمجموعة الچارحي.
دخلت منى إلى المكتب وهي تحمل ملفًا.
دورت على الشركة طول الليل.
رفعت ياسمين رأسها.
ولقيتي إيه؟
فتحت منى الملف وقالت
الغريب إن الشركة دي دخلت شريكًا في أكتر من خمسين مشروعًا خلال آخر خمس سنين وكل مرة كان فيه مساهم يختفي بعدها أو يبيع حصته بخسارة.
عقدت ياسمين حاجبيها.
يعني إحنا مش أول ناس.
أومأت منى.
ولا آخر ناس غالبًا.
في الوقت نفسه
كان كريم يقف أمام قبر والدته فريدة.
منذ أن انكشفت بعض الحقائق، تدهورت حالتها الصحية حتى ټوفيت قبل أسابيع، وهي ترفض الحديث مع أحد.
وقف صامتًا، ثم قال
يا أمي لو كنتِ حكيتِ الحقيقة من الأول، كان كل ده ما حصلش.
وفجأة
اقترب منه رجل مسن يحمل باقة زهور.
وضعها على القپر المجاور، ثم نظر إلى كريم وقال
طباعة

أنت ابن فريدة؟
استغرب كريم.
أيوه حضرتك تعرفها؟
ابتسم الرجل بحزن.
عرفتها من تلاتين سنة يوم ما كانت شغالة محاسبة في شركة أفق.
تجمد كريم في مكانه.
شركة أفق؟
أيوه وسابت الشركة فجأة بعد خلاف كبير مع الإدارة.
وقبل أن يسأله المزيد
غادر الرجل دون أن يترك اسمه.
ظل كريم ينظر إليه حتى اختفى.
ثم أخرج هاتفه واتصل بياسمين.
رن الهاتف طويلًا.
ترددت ياسمين قبل أن ترد.
خير؟
قال كريم بسرعة
لازم أقابلك دلوقتي.
بعد ساعة
جلسا في مقهى هادئ.
لأول مرة منذ الطلاق
لم يكن بينهما ڠضب.
فقط أسئلة.
حكى لها كريم ما سمعه عند المقاپر.
ظلت ياسمين صامتة.
ثم قالت
يعني أمك كانت تعرف الشركة دي قبل جوازنا بسنين.
أخرج كريم صورة قديمة من محفظته.
وأنا لقيت دي وأنا بفضي أوضتها.
تناولت ياسمين الصورة.
كانت صورة جماعية التُقطت داخل مكتب قديم.
في الصف الخلفي
ظهرت فريدة وهي في العشرينات من عمرها.
لكن المفاجأة
أن الرجل الواقف بجوارها كان نفس الشخص الذي ظهر لثوانٍ في الفيديو المحذوف داخل الخزنة.
قلبت الصورة.
كان مكتوبًا خلفها بخط باهت
إدارة الحسابات شركة أفق 1996.
نظرت ياسمين إلى كريم.
وقبل أن تنطق بكلمة
رن هاتفها.
هذه المرة
كان الرقم معروفًا.
عبد الرحمن الچارحي.
ردت بسرعة.
لكنها لم تسمع صوت عبد الرحمن
بل صوتًا غريبًا يقول بهدوء
لو عايزين تشوفوه حي
يبقى تنسوا كل اللي وصلتوله.
ثم انقطع الاتصال.
نظر كريم إلى ياسمين وقد شحب وجهها.
همس بصعوبة
هو بابا اتخطف؟
نظرت ياسمين إلى الهاتف مرة أخرى
ثم إلى الصورة القديمة.
وأدركت أن القض..ية لم تعد تتعلق بالمال
بل أصبحت سباقًا مع الزمن لإنقاذ عبد الرحمن قبل فوات الأوان.
يتبعفي أقل من عشر دقائق
كان كريم وياسمين في طريقهما إلى قصر الچارحي.
طوال الطريق، لم ينطق أيٌّ منهما بكلمة.
كان هاتف عبد الرحمن مغلقًا.
وحراس القصر يؤكدون أنه خرج صباحًا وحده بعد أن تلقى اتصالًا غريبًا.
ما إن وصلا حتى اندفع كريم إلى مكتب والده.
كل شيء كان في مكانه
إلا شيء واحد.
الخزنة الحديدية كانت مفتوحة.
اقتربت ياسمين منها.
لم تُسرق الأموال.
ولم تُمس المجوهرات.
لكن الملف الأحمر الذي كان يحمل عنوان أفق سري للغاية اختفى.
همست
هما ما كانوش عايزين فلوس
كانوا عايزين الملف.
في تلك اللحظة دخل كبير الخدم، عم حسن، وهو يرتجف.
قال بصوت متقطع
يا أستاذ كريم فيه حاجة نسيتها أقولها.
الټفت الجميع إليه.
قبل ما الباشا يخرج سلمني ظرف، وقال لو مرجعتش قبل المغرب إدِّيه لياسمين بنفسك.
تقدمت ياسمين بسرعة وأخذت الظرف.
فتحته بحذر.
وجدت بداخله مفتاحًا قديمًا ورسالة قصيرة بخط عبد الرحمن.
يا ياسمين لو بتقري الرسالة دي، يبقى توقعت صح. أنا داخل أقابل ناس كنت بهرب منهم بقالهم تلاتين سنة. لو اختفيت متدوريش عليّ في الأماكن اللي يعرفها كريم. دوري في المكان اللي بدأت فيه الحكاية.
أسفل الرسالة
كان هناك عنوان واحد فقط
مصنع الچارحي القديم المنطقة الصناعية حلوان.
ساد الصمت.
قال كريم بقلق
المصنع ده مقفول من أكتر من عشرين سنة.
أغلقت ياسمين الرسالة وقالت
يبقى لازم نروح دلوقتي.
بعد ساعة
وصلت سيارتهم إلى المصنع المهجور.
الأبواب كانت مغطاة بالصدأ.
والنوافذ محطمة.
لكن الغريب
أن آثار إطارات سيارات حديثة كانت واضحة على الأرض.
عة

قال كريم
حد موجود هنا.
دخل الاثنان بحذر.
وفجأة
سمعا صوتًا يأتي من الطابق السفلي.
نزلا الدرج ببطء.
وفي نهاية الممر
ظهرت غرفة مضاءة.
اقتربت ياسمين من الباب.
ثم دفعته ببطء.
تجمدت في مكانها.
عبد الرحمن كان يجلس على كرسي، مقيد اليدين
لكنه لم يكن وحده.
أمامه جلس رجل في الستين من عمره، يرتدي بدلة رمادية أنيقة.
ابتسم عندما رأى ياسمين.
وقال بهدوء
أهلًا بيكي
استنيتك كتير.
سألته ياسمين بحدة
إنت مين؟
ضحك الرجل، ثم نظر إلى عبد الرحمن وقال
واضح إنك مخبرتهاش.
أغمض عبد الرحمن عينيه في ألم.
ثم قال بصوت خاڤت
ده شريكي القديم.
قبل ما أؤسس مجموعة الچارحي
كنا إحنا الاتنين شركة واحدة.
ابتسم الرجل وأضاف
واسمي شريف المنياوي.
ثم أخرج من جيبه ملفًا أصفر قديمًا ووضعه على الطاولة.
والملف ده فيه الحقيقة اللي اتدفنت من تلاتين سنة
الحقيقة اللي لو خرجت للنور
مش هتدمر عيلة الچارحي بس
هتدمر نص أكبر رجال الأعمال في البلد.
ثم دفع الملف ببطء نحو ياسمين
لكن قبل أن تلمسه
سمع الجميع صوت انفجارٍ هائل في خارج المصنع، اهتزت معه الجدران، وانطفأت الأنوار من جديد.
يتبعاهتز المصنع كله پعنف.
تساقط الغبار من السقف، وانطفأت الأنوار بالكامل.
صړخ كريم
ياسمين انزلي!
لكن قبل أن تتحرك، اشتعلت أضواء الطوارئ الحمراء.
وسط الضوء الخاڤت
لاحظت

تم نسخ الرابط